تطرق برنامج مدارات الشرق الأوسط في حلقة هذا الأسبوع التي تتزامن مع زيارة البابا ليون الرابع عشر الى الجزائر وما تحمله من رسائل للحوار والتعايش بين الأديان والثقافات الى شخصية الأَمِيرُ عبدُ القَادِر الجَزَائِرِيُّ ، الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ شَجَاعَةِ المَيْدَانِ وَحِكْمَةِ الفِكْرِ، وَبَينَ صَلَابَةِ القَائِدِ وَرَحَابَةِ الإِنْسَانِ. رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ قَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ أَوْ زَعِيمِ مُقَاوَمَةٍ، بَلْ كَانَ ضَمِيرًا إِنْسَانِيًّا نَابِضًا بِالقِيَمِ النَّبِيلَةِ… فَالأَمِيرُ الَّذِي قَادَ مُقَاوَمَةً طَوِيلَةً ضِدَّ الاِسْتِعْمَارِ الفَرَنْسِيِّ، لَمْ يَخْتَزِلْ مَفْهُومَ الجِهَادِ فِي القِتَالِ فَقَطْ، بَلِ ارْتَقَى بِهِ إِلَى مَعَانٍ أَسْمَى، عُنْوَانُهَا التَّسَامُحُ وَاحْتِرَامُ الإِنْسَانِ، مَهْمَا كَانَ دِينُهُ أَوِ انْتِمَاؤُهُ.
وتَجلَّتْ هذهِ القِيَمُ بِوُضُوحٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ المَحَطَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي التَّارِيخِ الحَدِيثِ، عنْدَمَا انْدَلَعَتْ فِتْنَةٌ طَائِفِيَّةٌ دَامِيَةٌ فِي دِمَشْقَ عَامَ 1860، كَادَتْ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَجَازِرَ وَاسِعَةٍ ضِدَّ المَسِيحِيِّينَ. آنَذَاكَ، وَقَفَ الأَمِيرُ عَبْدُ القَادِرِ مَوْقِفًا شُجَاعًا، لَا بِوَصْفِهِ قَائِدًا جَزَائِرِيًّا فِي المَنْفَى، بَلْ إِنْسَانًا يُدَافِعُ عَنِ القِيَمِ الَّتِي آمَنَ بِهَا. فَتَحَ أَبْوَابَ بَيْتِهِ، وَسَلَّحَ رِجَالَهُ، وَقَادَ بِنَفْسِهِ عَمَلِيَّاتِ إِنْقَاذٍ، لِيَنْجَحَ فِي حِمَايَةِ مَا يُقَارِبُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ مَسِيحِيٍّ مِنَ القَتْلِ، رَافِعًا رَايَةَ الإِنْسَانِيَّةِ فَوْقَ كُلِّ الاِنْتِمَاءَاتِ الضَّيِّقَةِ.
ذَلِكَ المَوْقِفُ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا عَابِرًا، بَلْ انْعِكَاسًا لِشَخْصِيَّةٍ تَرَبَّتْ عَلَى العِلْمِ وَالتَّصَوُّفِ وَالانْفِتَاحِ، وَعَلَى فَهْمٍ عَمِيقٍ لِرِسَالَةِ الإِسْلَامِ القَائِمَةِ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالعَدْلِ. فَكَيْفَ جَسَّدَ الأَمِيرُ عَبْدُ القَادِرِ قِيَمَ التَّسامُحِ؟ وَمَا الَّذِي جَعلَ مَوْقِفَهُ فِي فِتْنَةِ دِمَشْقَ نَمُوذَجًا عَالَمِيًّا لِلإِنْسَانِيَّةِ؟.
الضيوف
الدكتور جمال يحياوي الباحث في تاريخ من الجزائر
الكاتب السوري عبد الرحيم خليفة








